ابن العربي
1014
أحكام القرآن
المسألة الأولى - قوله تعالى : أَبَداً : ظرف زمان ، وظروف الزمان على قسمين : ظرف مقدّر كاليوم والليلة ، وظرف مبهم على لغتهم ، ومطلق على لغتنا ؛ كالحين والوقت . والأبد من هذا القسم ، وكذلك الدهر ، وقد بيناه في المشكان ، وشرح الصحيحين ، وملجئة المتفقهين ، بيد أنّا نشير فيه هاهنا إلى نكتة من تلك الجمل ، وهي أن « أبدا » وإن كان ظرفا مبهما لا عموم فيه ، ولكنه إذا اتّصل بالنّهى « 1 » أفاد العموم ، لا من جهة مقتضاه ، ولكن من جهة النهى ؛ فإنه لو قال : لا تقم فيه لكفى في الانكفاف المطلق ، فإذا قال « أبدا » فكأنه قال : لا تقم في وقت من الأوقات ، ولا في حين من الأحيان ، وقد فهم ذلك أهل اللسان ، وقضى به فقهاء الإسلام ، فقالوا : لو قال رجل لامرأته : أنت طالق أبدا طلقت طلقة واحدة . المسألة الثانية - قوله تعالى : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى : اختلف فيه ، فقيل : هو مسجد قباء ؛ يروى عن جماعة - منهم ابن عباس ، والحسن . وتعلقوا بقوله : مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ، ومسجد قباء كان في أول يوم أسّس بالمدينة . وقيل : هو مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ قاله ابن عمر ، وابن المسيب . وقال ابن وهب ، عن مالك وأشهب عنه ، قال مالك : المسجد الذي ذكر اللّه أنه أسّس على التقوى من أول يوم أحقّ أن تقوم فيه - هو مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ إذ كان يقوم رسول اللّه ويأتيه أولئك من هنالك . وقال اللّه تعالى « 2 » : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً هو مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فنزع مالك باستواء اللفظين ؛ فإنه قال في ذلك تقوم فيه وقال في هذا قائما ، فكانا واحدا ، وهذه نزعة غريبة ، وكذلك روى عنه ابن القاسم أنه مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقد روى الترمذىّ « 3 » ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : تمارى « 4 » رجلان في المسجد الذي أسّس على التقوى من أول يوم ؛ فقال رجل : هو مسجد قباء ؛ وقال آخر : هو مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هو مسجدى هذا . قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح ، وجزم مسلم أيضا بمثله .
--> ( 1 ) في القرطبي : إذا اتصل بلا النافية . ( 2 ) سورة الجمعة ، آية 11 . ( 3 ) والقرطبي : 8 - 259 ( 4 ) تماروا : اختلفوا وتنازعوا .